عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

340

اللباب في علوم الكتاب

قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قرأ علي « 1 » - رضي الله عنه - : « تقتلوا » بالتشديد على التكثير ، والمعنى لا يقتل بعضكم بعضا ، وإنما قال أَنْفُسَكُمْ لقوله عليه الصلاة والسلام : « المؤمنون كنفس واحدة » « 2 » ولأن العرب يقولون « قتلنا ورب الكعبة » إذا قتل بعضهم ؛ لأن قتل بعضهم ، يجري مجرى قتلهم . فإن قيل : المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه ، لأنه ملجأ إلى ألا يقتل نفسه ، لأن الصارف عنه قائم ، وهو الألم الشديد ، والذم العظيم ، والصارف عنه في الآخرة قائم وهو استحقاق العذاب العظيم . إذا كان كذلك ، لم يكن للنهي عنه فائدة ، وإنما يمكن هذا النهي ، فيمن يعتقد في قتل نفسه ما يعتقده أهل الهند ، وذلك لا يتأتى من المؤمن . فالجواب : أن المؤمن مع « 3 » إيمانه ، قد يلحقه من الغم ، والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك ، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين يقتلون أنفسهم ، بمثل السبب الذي ذكرناه ، ويحتمل أن معناه لا تفعلوا ما تستحقون به القتل كالزنا بعد الإحصان والردة ، وقتل النفس المعصومة ، ثم بين تعالى أنه رحيم بعباده ، ولأجل رحمته نهاهم عن كل ما يستوجبون به مشقة ، أو محنة حيث لم يأمرهم بقتلهم أنفسهم كما أمر به بني إسرائيل ليكون توبة لهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما ، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 30 ] وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ « من » شرطية [ مبتدأ ] « 4 » ، والخبر « فسوف » والفاء هنا واجبة لعدم صلاحية الجواب للشرط ، و « ذلك » إشارة إلى قتل الأنفس قال الزجاج « 5 » : يعود إلى قتل الأنفس ، وأكل المال بالباطل ؛ لأنهما مذكوران في آية واحدة . وقال ابن عباس « 6 » : إنه يعود على كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا الموضع ، وقال الطبري : « ذلك » عائد على « 7 » ما نهي عنه من آخر وعيد وذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [ النساء : 19 ] ؛ لأن كل ما ينهى عنه من أول السورة قرن به وعيد ، إلا من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً فإنه لا وعيد بعده إلا قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً [ النساء : 30 ]

--> ( 1 ) وقرأ بها الحسن . انظر : المحرر الوجيز 2 / 42 ، والبحر المحيط 3 / 242 ، والدر المصون 2 / 354 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) في أ : من . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 59 . ( 6 ) ينظر السابق . ( 7 ) في أ : هذا غاية .